Legal Informatics Center
Home |
Contacts |
Int. Relations |
Bookmark |
Webmail
ع
|En
|Fr





Newsletter

Entrance Exam
Entrance Exams for the Academic Year 2020-2021 to the different faculties of the Lebanese University.
Support - IT 
You may download several Freeware Softwares from this section.
+ Details
20/1/2021 - كوفيد التاسع عشر وإمبراطورية الموت

 

محمّد محسن

عميد المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة

 

المحاولات البشريّة الحثيثة لصدّ تقدّم جيوش الإمبراطور "كوفيد 19"، بعدما أصيبت بانتكاسات وهزائم متعدّدة في جبهات القتال، وبخاصّة الطبّيّة والبحثيّة، وبعض الجبهات الميدانيّة قد تراجعت أمام هول الضربات المركّزة والعشوائيّة للقوّات الجيو- فضائيّة والبحريّة والبريّة التابعة مباشرةً لإدارة جيش الغزاة، فقد أعاد كبار ضبّاطه التحكّم والسيطرة على مجريات المعركة بعد اكتشافهم من خلال الرصد والجواسيس والطابور الخامس مزيدًا من نقاط الضعف في جبهات المواجهة المباشرة. لا يقلّ العقل البشريّ ذكاءً عن الفيروس أمام جحافله؛ إلّا أنّ الانقسامات الّتي تحصل في حمأة المعركة بين القادة البشريّين حول أنجع الطرق للمواجهة تضعف قدرات التصدّي وتشتّتها بين مَن يطالب بتركه يسيطر على الأرض والأفراد والمجتمع (مناعة القطيع)، ومَن يطالب باتّخاذ الإجراءات الوقائيّة لمنع تفاقمه (الوقاية)، وبين مَن يتوقّاه ويتحدّاه من خلال المواجهة المباشرة لمنع تقدّمه واحتلاله مزيدًا من الأراضي (الوقاية والمقاومة). هذا الانقسام مكّن العدوّ بذكاء حادّ من إدارة المعركة بنجاح استطاع السيطرة في معظم الدول الّتي لم تتوحّد كلمتها على إرادة التحدّي.

 

صراع الإرادات

في خضمِّ المعركة جلست وحيدًا وراء مكتبي أفكّر بالخسائر الجسيمة الّتي مُنينا بها، وقلبي يعتصر ألمًا على ما آلت إليه الأوضاع من قتل واعتقال وتهجير وفقد ومشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة وحجز حرّيّات لبني البشر، بعدما سيطر جنود "كوفيد 19" على المدن والقرى والساحات والطرقات والمؤسّسات والمدارس والجامعات والمصانع والمستشفيات. قلت في نفسي: لا شيء يصنع من الإنسان إنسانًا، لا بعد أن يخضع لتجارب مريرة وحوادث أليمة وخسائر مادّيّة ومعنويّة تثقل شخصيّته وتهذّبها، ساعتئذٍ لا مجال للاستسلام والخضوع للأمر الواقع. وقفت منتفضًا، وقررت أن أشارك في المواجهة، في الحقول المعرفيّة الّتي أملكها، والّتي قد تكون مفيدة في نشر الوعي والتحريض الإيجابيّ والقدرة على الاستمرار في ظروف الفوضى المنظّمة الّتي خطّطت لها القيادة العسكريّة. إذ لا عذر للمتقاعس عندما يحين موعد القطاف والنصر المؤزّر ضدّ العدو الذي لا يرحم كبيرًا ولا صغيرًا.

خرجت من مكتبي مسرعًا بعدما أجريت عددًا من المكالمات الهاتفيّة وأرسلت عددًا من الرسائل النصّيّة عبر التواصل الاجتماعيّ، واخترت أن أكون في الصفوف الأماميّة لمقاومة جحافل الفيروس مع التركيز على إمبراطورهم القابع في مخبئه السرّيّ.

 

رصّ الصفوف

بدأت نشاطي كالمعتاد، فواظبت على الحضور اليومي في مكان عملي. التزمت بالخطط المرسومة لتفعيل المواجهة وشاركت زملائي الذين انخرطوا في صفوف المقاومة الثقافيّة والتربويّة بترتيب اللقاءات والحوارات المنصوصة وإعداد النصوص وتقييم الأداء وتوزيع المنشورات وتوظيف المنصّات الإلكترونيّة وإعلان حال الطوارئ. ولم أكن أتوقّع تلك الحماسة من زملائي وأصدقائي لتقديم أفضل ما لديهم في سبيل الحفاظ على تماسك الفكر الوطنيّ والأداء المتميّز في عمليّة الصراع؛ الصراع حتمًا يولّد توتّرًا؛ التوتّر إمّا أن يولد إبداعًا أو تقاعسًا، والحمد لله أنّ التقاعس صار وراء ظهورنا وإبداعات التضحية تنتظرنا في أتون المعركة.

كنّا مؤثّرين في الوقاية ومجدّين في التقدّم لتحقيق الأهداف ومنها طرد المحتلّ الذي هو الهدف الأسمى. واظبنا على هذا المنوال أشهرًا طويلة وكنت أمارس الحذر الدائم في التواصل والاحتكاك مع الآخرين؛ إلّا أنّه في العديد من اللقاءات العامّة كنت أشعر بأنّني مراقب، وعندما أزور مناطق أخرى أشاهد وجوهًا بشريّة سبق لي أن التقيتها في أمكنة عديدة. بدأت الشكوك تنتابني وبخاصّة عندما قرأت أنّ جنود الفيروس لديهم القدرة على التحوّل إلى شيء آخر أكثر تطوّرًا وفتكًا. يمكن أن يتحوّلوا إلى هيئة البشر، أيُعقل ذلك؟! استبعدت الفكرة تمامًا وذهبت في اتّجاه آخر في عمليّة التفكير واستنتجت أنّ هؤلاء بشر حقيقيّون ولكنّهم مأمورون من الجهاز الأمنيّ للفيروس، إذ ينشر هؤلاء العملاء المزوّدين بأسلحة جرثوميّة في الأماكن الّتي تشهد تحرّكات وتجمّعات وانتفاضات.

فكّرت مليًّا في الأمر: لماذا أنا؟ وكيف عرفوا بنشاطي ضدّهم منذ البداية؟ الأخطاء واردة في بداية أيّ عمل لا تتقنه جيّدًا، وهذه الأخطاء قد تكون مميتة في بعض الأحيان. لم يطل الأمر عندما أدركت أنّني أرسلت رسائل نصّيّة في بداية المواجهة، والجهاز الأمنيّ السيبرانيّ لـ "كوفيد 19" كان يرصد جميع اتّصالات بني البشر وبخاصّة الناشطين منهم.

 

الاعتقال

بدأت أتوخّى مزيدًا من الحيطة والحذر في تنقّلاتي ولقاءاتي وجلساتي، واتّفقت مع زملاء المواجهة على تقليص الأنشطة موقّتًا، والبحث عن سبل أخرى للاستمرار؛ إذ لا يمكننا التراجع أمام الضغوطات وحملات التهويل والحرب النفسيّة الّتي يقودها الجهاز الإعلاميّ لكوفيد، ولا أمام تهديداته الأمنيّة ولا سيّما أنّنا قطعنا شوطًا لا بأس به في إرساء قواعد التحدّي.

ذات صباح خريفيّ جميل، توجّهت إلى مكتبي، شاركت في بعض اللقاءات الخاصّة والعامّة، ولم أكن مرتاحًا لوجود عناصر طارئة ووجوه جديدة ترغب في المشاركة في أنشطتنا السرّيّة، والّتي أفصحت عن رغبتها في تمويل هذه الأعمال من مالها الخاصّ.

ازدادت شكوكي في الأمر، وما كان منّي إلّا أن طلبت منهم أمام الجميع مغادرة الجلسة مسوّغًا ذلك بما يأتي: لدينا الاكتفاء الذاتيّ ولا نرغب بدم مشبوه خارجيّ لمشروع مقاومتنا!

خرجت تلك الوجوه الكالحة من قاعة الاجتماعات متوعّدة بالويل والثبور وعظائم الأمور. لم نلتفت إليها وأكملنا عملنا. غادرت مكان عملي في الساعة الرابعة بعد الظهر، متوجّهًا إلى منزلي وأنا غير مرتاح لِمَا حدث اليوم. وفي أحد المفارق الضيّقة حاصرتني سيارتان، واحدة من أمامي وأخرى من الخلف، وأنزلني ركّابهما من سيارتي، بتهديد السّلاح، واقتادوني إلى جهة مجهولة، بعدما غطّوا رأسي بقطعة من القماش الأسود حتّى لا أرى وجهة سيرنا.

 

السجن الإفراديّ

في زنزانة معتمة تحت الأرض بدأت أعي ما حدث، وعلامات الوهن والضعف بدأت تقلقني والمصير المجهول سيطر على أفكاري، ولا سيّما أنّني أدرك تمامًا، من خلال تجارب زملاء خاضوا التجربة نفسها، ما يمكن أن يحدث في أقبية التعذيب هذه. لا ضوء في هذا المرّبع الصغير إلّا نافذة صغيرة يتسلّل منها نور بسيط، وهو حتمًا ليس بنور الشّمس؛ لأنّني تحت الأرض وفي مكان سرّيّ لا يدركه إلّا ربّ العالمين. لا مجال أبدًا، والحال هذه، أن ينقذني أحد ممّا أنا فيه.

لم أستطع النوم البتّة في الليلة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، كنت متروكًا وحيدًا مع آلام عظامي وصدري ورأسي وسعالي الّذي لم يهدأ طرفةَ عين؛ بل إنّني لم أستطع تناول الطعام الذي كان يُترك لي تحت شبّاك صغير في أسفل الباب. في اليوم الرّابع، جاء بعض الجنود، ومن خلال تأمّلي السريع لهم خلتهم حثالة الفيروسات شكلًا ومضمونًا، ورؤيتهم لا تسرّ أبدًا ولا تبشّر بالخير. جرّوني من قدمَيّ إلى غرفة التحقيق، حيث انهال عليَّ كبير المحقّقين العسكريّين بالأسئلة، أين؟ وكيف؟ ومتى؟ وكلّ همّه أن يعرف من شركائي في تحدّي أعتى قوّة على وجه الكرة الأرضيّة. لم أكن في كامل وعيي في أثناء التحقيق، وأنا متأكّد أو أكاد من أنّهم حقنوني بمادّة ما في جسدي بعد الاعتقال. لم يفد المحقّق منّي كبير فائدة فما كان منه إلّا أن صرخ بصوت حيوانيّ، مع قبضتَي يديه كالمطرقة على الطاولة، ومع احمرار عينيه في أعلى رأسه، ومع تساقط اللّعاب الأخضر من فمه، تحدّث بلغة لم أفهمها؛ ولكنّني أدركت لاحقًا معناها: خذوه فعذبّوه ولا ترحموه. شعرت أنْ لا حول لي ولا قوّة، وتضرّعت إلى الله العزيز الجبّار أن يعينني على هذا العذاب المنتظر وأن يفرغ عليَّ صبرًا جميلًا.

 

زغردة الجراح

أخذوني إلى غرفة قرب زنزانتي، وكانت مصدرًا للأصوات المتألّمة في الأيّام الثلاثة الأولى، قذفوني على الأرض. كانت فيروسات أربعة، جلاوزة، يمكن أن ترى من خلال أجسادهم القبيحة الشفّافة ألّا قلب لديهم يضمن ضخّ الرحمة في شرايينهم الممتلئة حقدًا وكراهية. تفنّنوا في القفز على صدري واحدًا تلو الآخر، رفعوني في الهواء وتركوني أرتطم بالأرض، غطّوا أصابعهم بإفرازات أجسادهم النّتنة وأدخلوها في قصبتي الهوائيّة وصولًا إلى رئتَيّ، سدّوا عنّي الهواء عندما قعدوا على رأسي وصدري مرارًا وتكرارًا. وضعوا رأسي في نار حامية، وعملوا على ضربه بالمطرقة من الجهات الخمس، كالحدّاد يطرق قطعة الحديد بعد إدخالها النار ليشكّلها كما يريد. وضعوا الأسلاك الكهربائيّة في أنحاء جسدي كلّه والموجات الكهربائيّة تفعل فعلها، ليس في الأعضاء فحسب، بل في كلّ خليّة من خلايا جسدك، رائحتهم النتنة تزكم أنفك، فبمجرّد أن يقتربوا منك تشعر بالغثيان والتقيّؤ. بعد مدّة من تكرار هذا الأمر تشعر بأنّك خسرت حاسّة الشمّ، وفقدت حاسّة الذوق، ثمّ بعدها يمنحونك طعامًا باليًا مكوّنًا من بقايا الفيروسات النافقة. هم يستمتعون في استعمال شتّى أصناف التعذيب، ويملؤون أرجاء المكان بقهقهاتهم الغبيّة المتوحّشة وتعليقاتهم الساخرة المهينة؛ ليمزجوا التعذيب الجسديّ بالتعذيب النفسيّ.

قبعتُ في زاوية الزنزانة متعبًا متألّماً في ظلمة النهار وسواد الليل، فما تمكّنت من النوم فيهما ساعات متواصلة، ولم يكن لي رفيق إلّا الله سبحانه وتعالى، أشكو إليه عذابي وضعفي وأوجاعي وقلّة حيلتي وعدم قدرتي على الصمود، أمام جلسات التعذيب اليوميّة والمتلاحقة. رغبتي في الحياة نزلت إلى أدنى مستوى، وسألت الله النّهاية اللائقة برتبة شهيد؛ لم أعد أحتمل... وكنت أسمع صوت مَن يأتي من داخلي يذكّرني دائمًا بأنّ مع العسر يسرًا، وأنّ الفرح آتٍ ولو بعد حين.

لم تنقطع جلسات التعذيب، من اليوم الرابع إلى اليوم الرابع عشر، وهي تقريباً نفسها، ساعات طويلة في كلّ يوم. قد يتبدّل الأسلوب أحيانًا، مع تبدّل الجلاوزة الّذين يعذّبونك، يتّبعون المضمون نفسه ولكلّ أسلوبه في فنّ التعذيب، وفي آخر الأمر هم محترفون مدرّبون وفق القواعد الّتي تعلّموها في المدارس العسكريّة الأمنيّة لكوفيد 19، وبالتعاون والاشتراك مع معاهد عملائهم في العالم.

 

المعتقل الجماعيّ

أنهكوني تعذيبًا في الزنزانة الإفراديّة، ولم يخرجوا منّي بشيء من المعلومات؛ غير أنّني كنت ناشطًا في صلب المواجهة، فقرّروا نقلي إلى السجن الجماعيّ؛ وما ذلك إلّا لسببَين، الأوّل: تدهور حالي الصحيّة بعد جلسات التعذيب المتكرّرة، والثاني: إخلاء المكان لسجين آخر سوف يخضع لإجراءات التعذيب الّتي مررت بها، نفسها.

في الطريق إلى المعتقل، في حافلة مخصّصة لنقل المعتقلين، رغم آلامي، ورغم أنّني مقيّد اليدين، معصوب العينين، تمكّنت من استراق النّظر إلى الشوارع الّتي مررنا بها؛ كم هي مكفهرّة وموحشة، النّاس في بيوتهم خائفين، والمحال التجاريّة مغلقة، والسيّارات مركونة عشوائيًّا، ومعظمها قد تضرّر من شدّة المعارك الّتي نشبت في الشوارع قبل أن يسيطر جنود كوفيد على مسرح العمليّات. تراهم مدجّجين بالسلاح وهم يقفزون بطريقة مضحكة، يعبرون الشوارع ويفتّشونها طولًا وعرضًا للتأكّد من خلوّها من المقاومين، وترى صفوفًا طويلة من النّاس، من مختلف الأعمار والأجناس، يقفون في صفّ طويل مكبّلين ينتظرون نقلهم إلى المعتقلات، والكثير منهم في حال صحيّة سيّئة جدًّا، وربّما تُركوا في الشارع لمواجهة مصيرهم المشؤوم.

وصلنا إلى المعتقل، ونحن نكاد لا نقدر على التنفّس من جرّاء الضرب المبرح والتعذيب المركّز على منطقة الصدر، وهو لجزّاري السجن الإفراديّ المكان المحبّب للعبث! ثمّ صُنّفنا بحسب كلّ حالة أو مجموعة حالات، فكان نصيبي مع مجموعة الحالة الكلاسيكيّة للتعذيب، وبعض الأصدقاء الذين تعرّفت إليهم في السّجن من مجموعة التعذيب وفق السلالة المستجدّة.

أربع وعشرون ساعة مرّت من دون نوم أو حراك، في غرفة لا تجاوز مساحتُها المترين. عند الفجر جاء اثنان من غلاظ الفيروسات، الأوّل يرتدي ملابس عسكريّة ونظّارات طبّيّة، والآخر يرتدي نظّارات سوداء بلباس مدنيّ، سحباني من الغرفة ووضعاني على كرسيّ متحرّك، ثمّ قيّداني بالسلاسل الفيروسيّة. لا أعلم كم من الطوابق صعدنا في المصعد المخصّص للخارجين عن قانون كوفيد 19، هناك أدخلاني غرفة مظلمة فيها شخص مقيَّد في سريره، بقيود أشبه بالألياف البصريّة، مع لألأة ألوان زاهية، فكأنّك ترى مشهدًا من فيلم )أڤاتار (Avatar، ولكن بانتفاء جماليّات المكان والمؤثّرات الصوتيّة. قيّداني في سرير وشرعا في مدّ الأنابيب في أنحاء متعدّدة من جسدي، وكلّها موصولة إلى شاشات إلكترونيّة، تحاول أن تقرأها بما تيسّر لك من تركيز ولكنّك تكتشف أنّها مكتوبة بلغة فيروسيّة لا يستطيع فكّ رموزها إلّا المتخصّصات من الفيروسات الإناث اللواتي لا يمتنَّ إلى الأنوثة بصلة! وهنَّ أشدّ قسوة في التعامل مع المعتقلين وأكثر انضباطًا في تنفيذ الأوامر.

كنّا نكاد لا نملك الهمّة والنشاط للتحدث معًا، أنا وزميلي المعتقل الآخر في الغرفة، وفهمت منه أنّه إنسان عاديّ لا دخل له في المواجهة ولا ينضوي تحت لواء من ألوية المقاومة. هو حظّه سيّئ فحسب؛ لأنّه وقع في حبائل فيروسة شقراء، بعدما استدرجته في إحدى الحفلات الصاخبة للإيقاع به والتمكّن منه. كان من المستهترين في الوقاية ولم يقدّر خطورة التفلّت من الضوابط، ليقع لقمة سائغة في شباك الفيروسات والفيروسين المتعطّشين للأذى والقتل. كيف لا ونحن تحت احتلالهم وسيطرتهم.

لم تمضِ ساعات على لقائنا حتّى اقتحمت مجموعة من الجنود الّذين ينتمون إلى "وحدات التلف"، نزعوا الأشرطة والأنابيب عن زميلي وانطفأت ألوانها الزاهية، ثمّ وضعوه في كيس أسود، أحكموا إغلاقه ونقلوه على وجه السرعة خارج المكان. صُعقت من المشهد الذي رأيت أمامي، أهو حقيقة أم مسرحيّة رخيصة للتأثير في صحّتي النفسيّة ومعنويّاتي المتلاشية الّتي أعمل على جمعها لتبقى متماسكة؟ بقيت وحيدًا في الغرفة مع كاميرات المراقبة، والحرس أمام الباب، يتفقّدني كلّ ساعة، لا للاطمئنان، بل لإعطاء الأوامر ما فوق الصوتيّة لزملائه الفيروسات، الفيروسات الّتي حقنوها في داخلي عند اعتقالي في اليوم الأوّل؛ فيروسات كفيلة بإثارة الأوجاع في صدري ورأسي ومعدتي بحسب رغبات الحارس الّذي يقف أمامي ضاحكًا بصورة هستيريّة، مظهرًا قباحة تقاسيم وجهه، وناشرًا رذاذًا من المواد السامّة في أرجاء الغرفة.

استمرّت الحال على هذا المنوال ما ناف على الأسبوع، وفي كلّ يوم يتفنّنون بالتعذيب النفسيّ. تارة يذكّرونك بأنّك نكرة أمام جبروت كوفيد 19، وتارة أخرى يحاول جنود أن يغسلوا دماغك لكي تتحوّل إلى إنسان مطيع غير مشاكس، وتارة ثالثة يُسمعونك صراخ المعتقلين الآخرين الذين يضجّون من الألم ويجهشون بالبكاء بصوت عالٍ، وطورًا يقتحمون غرفتك فيقلبون أشياءها رأسًا على عقب، مع الضرب المبرح الخارجيّ الذي ينشّط الفيروسات الداخليّة لتتولّى عمليّة الضرب من الداخل.

 

الانتصار الموقّت

في اليوم الثامن من وجودي في المعتقل شعرت بالأمل والتفاؤل رغم جراحي، لا أدري لماذا انتابني هذا الشعور. بعد ساعات عدّة، سمعت ضجيجًا غير عاديّ في أروقة المعتقل، تبعه شجار وإطلاق نار مكثّف. شاهدت ضبّاطًا وجنودًا باللباس الأبيض يشتبكون مع الجنود الذين يتساقطون بالمئات. اعتقدت للحظات أنّني أحلم؛ ولكن ما أن تقدّموا نحوي حتّى أيقنت أنّها حقيقة. نقلوني بسرعة إلى مكان آمن بعد أن فتحوا أبواب غرف المعتقل الموصدة كلّها: حرّروهم من الأسر!

في غرفة العلاج، اكتشفت أنّ بعض زملائي كانوا قد اعتُقلوا في وقت اعتقالي، ونُقلوا إلى سجون أخرى، واجتمعنا لحظة التّحرير في السّجن الأخير؛ إنّها لفرحة دامعة أن ترى جميع مَن تحبّ بخير وعافية، وتعاهدنا من جديد على الاستمرار في المقاومة، ولمسنا مدى جدّيّة الجيش الأبيض في إعادة تنظيم صفوفه والتقاط أنفاسه، تمهيدًا لأمّ المعارك الكبرى مع الإمبراطور كوفيد 19، وورثته كوفيد 20، وكوفيد 21...

 

المصدر: النهار

 

427



8194
159
267
237
180
Latest News 1 - 5 of 64
Show all news
Contact Faculties
LU Magazine
External Projects
Partners
Useful Links
Technical specification for equipments
Webmail
Webmasters
Internet and IT Support
Admissions
Join Us


All rights reserved © Copyright 2018 | Lebanese University